الطريق صعودا
كتبهاأسامة مصطفى ، في 16 يونيو 2008 الساعة: 21:24 م
الطريق صعودا
اعتاد على أن يلقى الإحترام بشكل تلقائي منذ ذلك اليوم البعيد الذي قرر فيه رئيس الإدارة أن يرفعه إلى منصب جديد…
لم يعد يذكر لم تمت ترقيته، أو ربما يتناسى تداعياتها التي مضى عليها شوطا بعيدا، فما جدوى ذكرها أو تذكرها؟ ولكنه ما يفتأ يسرد أمجاده على مرؤسيه الذين احترف بعضهم التأوه انبهارا أمام ادعاءاته البطولية أيام كان في مراكزهم المتواضعة، بينما تؤثر قلة منهم الصمت الواجم، فهم يعلمون تماما أنها مبالغات موسمية من تلك التي اعتاد أمثاله إلقاءها في الإجتماعات التي تعقد من وقت لآخر بغرض تحفيز الهمم، على الرغم من ثبوت النتيجة العكسية الأكيدة لهذه الخطابيات…
ومع تحريكه إلى مركز جديد في خطة تنظيمية نوعية تحول إلى رئيس للقسم الذي يبتكر منتجات الغد، هذا هو المكان الذي يتناسب مع قناعاته وخبراته ومثابرته على البقاء طويلا في حالة ترقب يقظ، لم يدع فرصة تفوت بدون أن يتلمع فيها وإن بدا كمهرج ثقيل الظل في خضم الحاضرين، المهم أن يطرق صوته الآذان ويلمح شخصه الحاضرون..
وبدأ لتثبيت مركزه مع صولته الجديدة في اختيار حاشية عوّل عليها لصيانة المنصب الشاهق، فانتقى من الرفقة أكثرها ولاء، ومضوا يخططون وينفذون في هدوء وغموض مريبيْن..
مرت السنة الأولى ثم الثانية، ثم.. لاحظ أحدهم أن القسم الواعد لا يحقق ما نوّط به، هناك ما يستدعي التقصي، بدأت التحريات بشكل مهذب ثم بشكل مباشر ثم بشكل المواجهة، وتحول الشك إلى يقين، وظهرت الأخطاء الكبيرة…
وجاءت حتمية التغيير مرة أخرى، ولأول مرة منذ تلك الترقية القديمة يجد نفسه في مكان لا يتوافق مع أحلامه، لقد تم اختياره لإدارة قسم المنتجات التي مضى على وجود بعضها في الأسواق عشرات السنين، آه! إنها نقلة إلى الخلف هذه المرة…
ولم ير بأسا في القبول، والأسباب… ربما واتته الأماني بعودة متوقعة إلى القسم الذي نُزِع منه عنوة، حتما سيشعرون بقيمته وبحجم الفراغ الذي سيخلفه بعد هذا التنازل والتنزيل، إنه هو من هو… محقق الأعاجيب في زمن تولى، وإن شكك الإداري القائم في صحة تلك الإدعاءات..
بدأ مهامه هذه المرة بمقابلة مع كافة مرؤوسيه، وجاء حديثه مشحونا بالشجون، معلنا عزمه الأكيد على تحسين الأوضاع ووضع الأمور في نصابها… ذكر أحدهم المثل الشهير (يموت الزمار…) أثناء الخطبة الباهرة
ولم يمض وقت طويل قبل أن يكتشف الجميع أن تلك الكلمات كانت كالعادة… حماسية، وبات من الواضح أن الحال سيظل… في الظل!
أصبح يصدر القرارات معتمدا على انطباعاته وبدون الإلتفات لآراء المدراء التنفيذيين بفريقه، لتظهر خصلة انعدام المرونة المطلوبة في التعامل مع العملاء ذوي الثقل والصيت، وهو ما جعل الجميع يشعرون بمزيج الإحباط واللامبالاة، والإختناق…
سارع لجلب أبرع المحامين لكي ينتزع ما ظنه حقا له من الشركة التي خدمها طويلا، لم يكترثوا كثيرا لمطالبه التي كانت غير ذات منطق، ثم لم يلبثوا أن أجابوه إلى مطامعه لكي يظفروا بالخلاص منه …
أصبح يمر بين الفينة والأخرى على المكتب (السابق) في راحة مهنية قسرية طالت عن المتوقع، كيف يتمتع البعض بالقدرة على إيذاء مرؤوسيهم آخذين بالشبهات والأقاويل، ثم يهرعون إليهم ليحتضنوهم في حبور وشوق مفعميْن بالحرارة بعد ولوج دوائر النسيان؟
والأدهى، كيف ينشؤون أبناءهم وبناتهم على أسس الفضيلة والنزاهة، مع تمتعهم بهذه المواهب المذهلة؟
دمتم بخير إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, قصص | السمات:قصص, خواطر
دوّن الإدراج

























يونيو 19th, 2008 at 19 يونيو 2008 4:41 ص
جميلة جداً يا مصطفى ..
رؤية واضحة جدا جدا جدا .. لبعضنا ..
ذاك هو عيب ركود العقول تقريبا .. أنه دايماً يتبعها ركود في التصرف و القلب ..
و كل شيء آخر .
سعيدة بالقراءة جدا..
سلمت يا أسامة ..
يونيو 20th, 2008 at 20 يونيو 2008 5:50 م
الأخت أنفال..
تفقدت مدونتك كثيرا فيما سبق، وأندهش لابتعادك عن وضع الجديد فيها..
ركود العقول أودى بنا قرونا إلى الوراء، ولكن فرج الله دائما قريب
سلمت وسلم قلمك
دمت بخير