التراث العربي… وتخيلات الآخرين
كتبهاأسامة مصطفى ، في 10 يوليو 2008 الساعة: 14:59 م
التراث العربي… وتخيّلات الآخرين
إشتركت ثقافات العالم في خاصية محاولة نشرها اعتمادا على مبدإ سيادة القوة في حقب زمنية كثيرة، وهذه الخصلة التي طغت على أغلب الثقافات التاريخية لم يستثن منها سوى ثقافات محدودة كانت إحداها ثقافة المجتمع العربي القديم، والذي لا تزال جزئية ما قبل الإسلام فيه مبهمة لمعظم شعوب الأرض، وتحتاج إلى خيال بيئي واسع لإدراك كيف عاش العرب الأوائل في شبه الجزيرة، متحصنين بمناعتها الطبيعية التي حباها الله بها، حيث الصحراء القاحلة والواحات النادرة والمجتمعات القبلية التي تقوم على أساس غالب في إقرار القائم أو القائمين على أمرها اعتمادا على رجاحة العقل مع النفوذ والسطوة…
وعلى الرغم من انتشار جانب من الثقافة العربية ضمنا مع الفتوحات الإسلامية التي طالت الممالك المجاورة لجزيرة العرب بعيْد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يمكن الجزم كلية بأن الثقافة الإسلامية كانت عربية خالصة سيما مع انضمام أبناء البلدان المجاورة لشبه الجزيرة إلى قوافل الجيوش الفاتحة، ثم إلى تحول دولة الخلافة العباسية إبان حكم المأمون فيما تقره مراجع التاريخ إلى تفضيل أبناء فارس ليكونوا عُمُدَ الدولة في شؤون الدواوين وقيادة الجيوش، وهو ما أدى تدريجيا إلى انحسار الصلة بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى لتقتصر مرة أخرى على أبنائها، متدثرة بتلك الوهاد والرمال والجبال التي تعج بها الجزيرة..
وغني عن القول بأن الإسلام أقر طرفا من عادات قدماء العرب في نسيج الدين الذي أصبح جزءا من حياة أكثريتهم فيما بعد، وأنه حينما نسمع قصص وفاء السموءل وشجاعة عنترة وكرم حاتم وإباء الزباء وغيرها من سير هؤلاء الأوائل سنجد أن الإسلام كدين يحمل بين طياته هذه القيم النبيلة، وأن هذه المزايا دفعت أبناء الدول التي دخلتها الجيوش الفاتحة إلى الإنضواء مطمئنين تحت لواء دين الله..
ولا تدرك أكثرية البشر سر ولع أبناء البادية بعشقهم لحياة البرية، والتي مع ما قد يصحبها من شظف العيش تطيب لفئة منهم، حيث الأمور تجري ببساطة، وحيث الحياة الرتيبة التي لا تشغل البال كثيرا، وحيث الإرتباط بالخالق يتجلى في الرضا بكل خير يجئ، والرضا كذلك بكل ما يذهب، فالخيارات أقل من محدودة، والحياة في عرفهم مجرد سفينة تمضي في لجة، فلا بأس بأن تمضي الهوينا في يم هادئ الصخب..
والغريب أن هذه الثقافة مع غموضها وصعوبة فك رموزها اللغوية استهوت نفرا من أبناء الغرب لطرق أبواب هذا المجتمع المتحفظ الطبيعة، فسمعنا عن المستشرقين الذين جاؤوا إلى أرض الجزيرة لاستكشاف حقيقة هذا العالم، وقرأنا آراء تباينت حول ماهية المجتمع العربي من وجهة نظر غير عربية، ولم يخل بعضها من إجحاف حق، ومن تشكيك كذلك في مصداقية الديانة الإسلامية وصلت إلى حد التطاول والبهتان أحيانا، ومن خلط واضح بين العادات العربية وأصول الدين الحنيف…
بل واستهوت كذلك نفرا من مؤلفي الموسيقى في عصرها الذهبي، فإذا بتشايكوفسكي الروسي يضع مقطوعة موسيقية قصيرة تدعى تارة برقصة عنترة وتارة أخرى بالرقصة العربية، في رسم موسيقي لحياة مجتمع البادية الأول، حيث الجمل والهودج والفلوات المترامية الأطراف…
وكان من الطبيعي كذلك أن تجذب الثقافة العربية فئة من منتسبي هوليوود عاصمة السنيما في عالم اليوم، وإن كان التصور الهوليوودي يُظْهِر الأمير المشرقي عربيا كان أو تركيا أو غير ذلك في صور هزلية ممسوخة، متمثلا في مسارع للبطش وضرب الرقاب شره للطعام شارب للخمر متقن لضرب الدف أو للعزف على العود، وبالتأكيد سابح في بحور الجواري من كل لون، ربما استقاء مما جاء في كتاب تراثي وهو (ألف ليلة وليلة)، وربما انعكاسا لجهل مروع بثقافة متفردة، لا يعرف عالم اليوم منها سوى النزر اليسير..
هل لهذه الأسباب كان العالم على استعداد لقبول فرضية أن الإرهاب عربي الموطن؟ أم لأنه لم يبال أحد قبلا لأن يتعرف العالم على ماهية الثقافة العربية زهدا وتحفظا؟ أم لأنهم أطلقوا العنان لخيالاتهم فأمعنوا فيها حتى صدقوها سيما مع غياب المحاولات الجدية لتوضيح الحقائق؟ حتما لا يمكن الجزم بالسبب، ولكن من الواضح تماما أن هناك فجوات هائلة بين ثقافة أصيلة وتخيلات الآخرين التي تجانب الصواب عادة!
دمتم بخير إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, مساحة للرأي | السمات:مساحة للرأي, خواطر
دوّن الإدراج

























يوليو 12th, 2008 at 12 يوليو 2008 9:19 م
السلام عليكم د.أسامة مصطفى
اجنذب الشرق دائماً الخيال الغربي وشحذه..لكن فى الآونة الأخيرة تتم قولبة العقل الغربي لربط العروبة بالإرهاب..وهذه ليست بدعه فقد فعلها الغرب مع كل أعدائه من قبل قبل أن يرضى عنهم أخيراً حين خلعوا أثواب تميزهم وخصوصيتهم..
نسأل الله السلامة..
تحياتي
يوليو 17th, 2008 at 17 يوليو 2008 2:56 ص
السلام عليكم د. حنان
شكرا لتعليقك الذي أصاب حقيقة واقعة، إن السعي لجعل الآخرين يخلعون أثواب تميزهم يتم جنبا إلى جنب مع خطة القولبة، بل وهناك من بادر بالخلع بدون طلب..
اللهم ألطف بنا
تحياتي وشكري لإضافتك القيمة