أعـوذ بالله من الشــيطان الـرجيم "فـأما الـزبد فـيذهـب جــفاء، وأما ما يـنفع النـاس فـيمكـث في الأرض" - هـذه المـدونة لـمن أراد أن يُـفيد ويـستفيد، ويُـعلِّـم ويـستزيد، فالـمرء بين عـالم ومـتعلم، وفـاهم ومسـتـفهم، وبهذا تـرتقي الأمم، وتـرتفع الهـمم، ونـستنير الطريق بـرأي الأديـب الرفـيق


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

معلّمون أم زبانية؟

كتبهاأسامة مصطفى ، في 5 نوفمبر 2008 الساعة: 20:39 م




معلّمون أم زبانية؟

ينتشر بين المصريين مثلا شعبيا شهيرا (ضرب الحبيب زي أكل الزبيب)، وللأسف لا يوضح المثل من الذي سيأكل الزبيب، الجلاد أم الضحية، الجلاد بأجره المستحق له عن الضرب، أم الضحية الراحلة إلى الدار الآخرة لتنعم بخيرات الله في جنات النعيم، غير أنني أعتقد جزما بأن من عمل على نشر هذا المثل لم يكن من أسوياء البشر، حتما كان ممن يتلذذون بإنزال الأذى بالآخرين، والتي تصفهم كتب علم النفس بمسمى (الساديين)، ومفردها سادي، وأصلها الكلمة الإنجليزية (ساديزم)، وتقترب من معناها في العامية مفردات مثل بلطجي، وعُصْبَجي، وإبن حرام، وتصنفهم الجهات الرسمية تحت مسمى يسوده بعض الغموض، فتدعوهم مسجلين خطرين…

وقد دأب الناس أيام تفشي الأمية في المجتمع المصري على تسليم الولد وفلذة الكبد إلى المعلم الأول الذي نشأت على يديه أجيالا كثيرة، وكان يعرف بإسم شيخ الكُتّاب، لكي ينال ذلك الطفل أولى حظوظ تعليمه على يدي ذلك الشيخ الذي قد يكون هو نفسه مفتقرا لأصول العلم، مع عبارة تقليدية يكاد يتفق عليها الجميع، (إنت إكسر وأنا أداوي)، وللأسف لم يدرك الكثيرون ممن قالوا هذه الجملة خطورة مغزاها على مستقبل أولادهم النفسي قبل التعليمي، وعلى مستقبل التعليم لأجيال جاءت بعد تلك التي تشبّعت ضربا بالعُصي والمقارع والبُلَغِ - جمع بُلْغَة، وتعني أعزكم الله النعل، وتشبعت كذلك تعليقا في أداة كانت تعرف بإسم (الفَلَكَة)، يُشَدُّ إليها الطفل المغلوب على أمره فيصبح كالبهيمة التي جهزوها للذبح لا يستطيع فكاكا ولا هربا لأنه لم يحفظ أو لم يكتب أو لم يفهم، ثم تُرفع رجليه لينهال الشيخ بما لذ وطاب له من ضربات أو جلدات عليهما بينما يتلوى المسكين صارخا من الألم المميت الذي يعانيه..

ومع تطور نظم التعليم واختفاء تلك الأنماط المريضة من المجتمع، إلا أن عقاب الطلاب بالضرب ظل متوارثا إلى أيامنا هذه، والتي ظهرت آثاره حديثا بوفاة بعض من تلاميذ المرحلة الإبتدائية، أطفال أبرياء في عمر الزهور التي تفتحت للتو، ممن لا تجدي كلمات العزاء لذويهم الذين توسّموا لأولادهم مستقبلا باهرا، فإذا بالمستقبل ينتهي في لحظة عقاب لم يجد مطبقوها ما يمنع من تنفيذها، ولا يردع من مغبتها، أو في تطبيق أنماط ضرب شاذة، مثل ذلك المدرس الذي كان يعمد إلى تعرية مؤخرة تلاميذه قبل ضربهم عليها مجردة من أي ساتر..

هل من الطبيعي أن يُعْتَبَرُ ضرب الطالب أو الطالبة حقا مشروعا ينفذ بالطريقة التي يراها المدرّس أو المدرّسة؟ وهل من المناسب أن نرى معلما للأجيال وقف أمام القضاء لأنه فقأ عينا أو كسر عظما أو أفقد حسا أو أضاع حياة؟ والأهم من هذا وذاك، أليس للطالب أو الطالبة كرامة يجب أن تصان في  حرمة المدرسة أمام الأقران والخلان والأساتذة؟

من الظلم أن نقول أن ظروف التعليم مناسبة للمدرس وغير مرهقة له، وأنه لا يعاني من ضغوط عديدة تجعله يفقد صوابه بين الحين والآخر، وأنه يستطيع أن يفرض الإنضباط على فصول تمتلئ بالطلاب بكفاءة كبيرة بدون اللجوء لتأديب البعض بالضرب من وقت لآخر، ولكن كل هذه الإدعاءات تتداعى تحت وطأة وفاة أحد الطلاب في لحظة عقاب غاضبة، في وطأة ضغط أو في لحظة كدر، أو في ابتكار نمط عقاب يموج بالشذوذ والفجاجة..

وإذا كان ضرب الطالب عملة قابلة للتداول في بلادنا، فهو بالتأكيد غير متداول في كثير من بلدان عالم اليوم، ويقع تحت طائلة العقوبات الجنائية في بلدان العالم الأول..

هل يعاقَب الطلاب كلهم بنفس الكيفية إن أذنبوا أم أن المدرس يمارس سلوكه العنتريّ على من يعرف أنه لا سند له؟ بالتأكيد لن يجروأ أحد على المساس بمن يعرف أن أهليهم من ذوي المراكز أو النفوذ، وبهذا يضيع مغزى العقاب الذي يطبَّق، ويصبح وسيلة للتنفيس عن كبت أو قهر يعاني منه المعلم الفاضل..

هل يجب وضع قانون لأصول الضرب في مدارسنا، ما يحق للمدرس أن يفعله وما لا يجوز له بحال أن يقدم عليه؟ مثلا: يجوز للمعلم استخدام عصا أو مسطرة لا يزيد طولها عن ثلاثين سنتمترا بعرض ثلاثة سنتمتيرات وارتفاع اثنين مليمتر لعقاب الطالب أو الطالبة بالضرب على كفي اليدين بعدد ضربات لا تزيد في مجملها عن العشر…إلخ، فالغرض النهائي من الضرب هو التهذيب لا التعذيب، قطعا هو حل مناسب ومقبول، ولكن كالعادة إذا اعتمد مثل هذا الرأي فلن نر قانونا قبل بضعة عشر عاما.. 

إن التعليم عبارة عن فنون تعرّف وإلقاء وسبر، تعرّف على قدرات الطالب، وإلقاء للمعلومة بشكل يناسب قدرات فهم الغالبية، وسبر لمقدار استيعاب الدروس، ومن غير الممكن أن يتم اختصار هذه الفنون بضربة عصا أو بعقاب مهين أو بكلمات سخرية، فالمجتمع ليس بحاجة إلى زبانية لكي يعلم أجياله، ولكنه في حاجة لمن يحسن معاملة أبنائه وبناته في إطار تعليمهم ما يمكنهم فهمه لكي لا تضيع أحلامنا وأحلامهم في مستقبل تعليمي واعد..

دمتم بخير إن شاء الله
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, مساحة للرأي | السمات:,
  دوّن الإدراج  

4 تعليق على “معلّمون أم زبانية؟”

  1. السلام عليكم

    معك فى كل ماجيت به دكتور أسامة إلا أنى فقط أحاول أن أضع الأمور فى حجمها الطبيعي..هناك مايسمى بالحوادث الفردية تلك الحوادث لايجب أن تعمم لتصير صورة لنظام تعليمي بأسره وأنا هنا ل أدافع عن النظام التعليمي المتهاوي لكنى فقط أدافع عن وصمه ككل بالعنف والسادية..ربما أرى أن من المفروض أن يتم توقيع الكشف الطبي على المدرسين لإثبات خلوهم من الأمراض النفسية والعصبية وتحجيم استعدادهم لها لأنهم هم الذين يغرسون خمائل الغد ولايصلح أن ألقى بماء نار على البذور قبل غرسها فى التربة..

    هي وجهة نظر فقط..

    تحياتي وشكرى

  2. السلام عليكم …

    رأيك سديد .. ومشكور عليه ..

    لكن ما حال مدرس يعمل في مدرسة حكومية ، الفصل به ما يقرب من 80 تلميذ … ياليت كل من يرغب في ابداء رأيه في هذا الموضوع يتخيل نفسه مدرس لمدة حصة واحدة “45 دقيقة ” فقط … لن اقول 4 أو 5 حصص متتاليين …

    قولي وقتها ماذا ستفعل لمجرد ان يعلم التلاميذ بدخولك الفصل .. و كيف تجعلهم يستمعون وينصتون للشرح ..

    وكيف تميز بين التلميذ الذي اجتهد والتزم الادب والاحترام .. واهتم بأوراقه وواجباته .. وغيره من التلاميذ … هل ستتعامل معهم سوا ء …

    وعلي فكرة الموضوع له حيثيات كثيرة لا يدركها الا المعلم .. ومن وقف في هذا الموقف ..

    يمكن ولي الامر المتابع لابناءة جيدا في المنزل والمدرسة يدرك هذا .. واكيد بيلجا للعقاب والعنف النفسي والبدني احيانا ..

    انا اكيد ضد العنف خاصة البدني .. لكنه احيانا بيكون الحل الوحيد .. وقتها يجب علي من يلجأ اليه ان يدرك انه يضرب انسان .. من احساس ولحم ودم ..

    علي فكرة انا مدرسة اعدادي ..

    اسفة للاطالة

  3. السلام عليكم د. حنان

    أتفق معك في نقطتين، وضع الأمور في حجمها الطبيعي، وتداعي النظام التعليمي القائم..

    وأنا يا أختي الكريمة كعهدك بي لا أعمم شواذ قاعدة، ولكنني أنبه لعدم وجود قاعدة من الأساس..

    ولهذا السبب تحديدا، يَفْترض الجميع أن للمعلم الحق في ضرب التلميذ أو الطالب بأي طريقة ترتأي له، وهو ما يدعونا للتساؤل: من الذي أعطى للمعلمين حق ضرب الطلاب كيفما شاؤوا وقتما شاؤوا؟

    أما عن وجوب توقيع الكشف الطبي على ممارس مهنة التعليم، فبرأيي أنه أصبح بعد تلك الحوادث حتمية لا استثناءات فيها يجب أن تتم قبل بداية كل عام دراسي، فللإنسان قدرة محدودة، وبالقطع يجب أن يحال المعلم الذي يفقد السيطرة على أعصابه مع تقدمه في العمر وكثرة مسؤولياته إلى وظيفة أقل عناء من تدريس الناشئة

    أسر كثيرا بتبادل وجهات النظر معك يا أختي الكريمة

    تحياتي وتقديري وخالص شكري

  4. السلام عليكم الأخت الأستاذة الفاضلة

    بالقطع يا أستاذة يصعب كثيرا على المعلم أو المعلمة فرض الإنضباط على فصل يمتلئ بالطلاب بدون وجود أسلوب عقاب رادع، وما يقوم به المدرس في مصر يعد ضربا من العمل الفدائي في مواجهة أعداد هائلة في مهنة عرفت بأنها من أهم وأخطر المهن، وأنا يا أستاذة لم أغفل هذه النقطة من الطرح كما قرأت، ولكن في غمرة الضغوط اليومية في مهنة شاقة كمهنة التدريس يجب أن تكون هناك أساليب أكثر فعالية في مواجهة الطلاب المتقاعسين عن المتابعة والمهملين لواجباتهم..

    وقد تعرضْت كذلك في صلب الموضوع لجزئية تقنين العقاب البدني، وهي فكرة تحمي المدرس من مسؤولية إصابة الطالب بعاهة أو من ضرب أفضى إلى الوفاة، وتحميه كذلك من التشهير في وسائل الإعلام المعروفة بترصدها لهذه الأحداث..

    يا أستاذة إن المصلحة مشتركة في وضع إطار موحد لعقاب الطلاب في مدارس البلاد، ربما بإعطاء المدرس الحق في حرمان الطالب أو الطالبة من حضور الحصة في حالة إهماله للواجب، وبتحويله إلى إدارة المدرسة إن كان من أرباب المشاكل لوضع حد جذري لأمثال هؤلاء

    وأشكر لك كثيرا مشاركتك في التعليق على الموضوع التي ولا شك أعطته زخما كبيرا

    تحياتي وتقديري



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق