غربـــة
كتبهاأسامة مصطفى ، في 1 يناير 2009 الساعة: 07:22 ص
غربـــة
حينما يغترب الإنسان عن أرض الوطن للمرة الأولى، تعتصره الذكريات الحلوة التي قضاها بين جنباته إلى أقصى مداها خلال تلك الدقائق التي يقضيها في انتظار الصعود إلى وسيلة النقل التي ستقله إلى محل كسب عيشه الجديد، وحتى مع كون بعض الفرص مغرية لمغادرة الوطن الأم، فإن المرارة والغصة التي يشعر بها التارك لوطنه في تلك اللحظات تظل دائما حاضرة في الوجدان مهما طالت السنين، إنه ألم نفسي يحفر نفسه عميقا في روح هذا الطموح الجسور، والذي يكون في بواكير أيام غربته في أمس الحاجة لمن يأخذ بيده لمساعدته على محو ذكريات الأهل والأحباب والصحبة الهنيئة..
شاعت مقولة أن (العالم أصبح قرية كبيرة) بين غالبية سكان الأرض، وهي عبارة صحيحة بنسبة كبيرة برأيي ولكن ليس بشكل مطلق، لأنه حتى بين جنبات هذه القرية الكبيرة ستجد من يحس بالحنين إلى وطنه الأول، وبالشوق إلى أيامه الأولى التي قضاها فيه قبل الإقدام على مغامرة الإغتراب، أيام الحماس الغض والأحلام المختلفة الأحجام والنكهات، أيام كان كل ما يهم أن يعود إلى حيث يأوي سعيدا بشوشا، غير مبال بما ذهب من الدخل القليل…
الحقيقة الأكيدة في الغربة أنها تظهر أسوأ ما في طباع المغترب، تظهره وهو في غاية التحفز للتحدي وتخطي الأهوال، تظهره مشاكسا شرسا في معركة كسب العيش المريرة، تظهره مجرما إذا ما تجرأ أحد على اقتحام حدود خصوصيته المحدودة جدا في غربة شديدة الوطأة..
لماذا يغترب الناس؟ سنجد إجابات لا تحصى لهذا التساؤل المؤلم الوقع على نفس المغترب، فلكل سبب خاص جدا للإغتراب، سبب قد يكون وجيها من وجهة نظر الكثيرين، وقد يكون مثيرا للضحك في بعض الأحيان، المهم أن هناك بالتأكيد دافع قوي إلى هجر الوطن والثقافة واللغة والعادات، وربما هجر ما هو أكثر مع طول سنوات الغياب ومع تقمص الأدوار الغريبة في خضم الحياة الجديدة..
البعض عاد من أرض الغربة مشتاقا إلى نسائم الوطن وذكريات الماضي ودفء الأحضان المخلصة، والبعض فضل أن يستمر مغتربا خوفا من العودة إلى أيام ضيق العيش ومحدودية الموارد، قد تكون قسوة المعيشة في الوطن دافعا ملهما للإستمرار بالغياب، ولكن يظل السؤال يتردد، إلى أي مدى ستطول سنين الإغتراب؟
الغربة برأيي ليس المكوث خارج الوطن كما قد يتوهم الكثير، الغربة الحقيقية هي أن تحتاج إلى دعم قريب أو رفيق أو صديق أو جار، ثم تكون المفاجأة أن يتعلل كل من هؤلاء بحجج واهية أو بانشغالات تافهة بُخْلا بمساعدة واجبة، لا يهم وقتها إن كان المقام خارج الوطن أم داخله، المهم أن تجد مرارة هذا التجاهل والتنكر من يحتملها، بدون أن يصاب بأزمة قلبية قاتلة!
دمتم بخير إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:خواطر
دوّن الإدراج
























