أعـوذ بالله من الشــيطان الـرجيم "فـأما الـزبد فـيذهـب جــفاء، وأما ما يـنفع النـاس فـيمكـث في الأرض" - هـذه المـدونة لـمن أراد أن يُـفيد ويـستفيد، ويُـعلِّـم ويـستزيد، فالـمرء بين عـالم ومـتعلم، وفـاهم ومسـتـفهم، وبهذا تـرتقي الأمم، وتـرتفع الهـمم، ونـستنير الطريق بـرأي الأديـب الرفـيق


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كـــلام علمـــي

كتبهاأسامة مصطفى ، في 13 يناير 2009 الساعة: 22:02 م




كـــلام علمـــي



يعرِف المشتغلون بعلوم الطب والدواء أن الأدلة الدامغة لثبوت أو لسقوط نظرية تشخيصية أو علاجية يجب أن تقوم على إثبات مادي قاطع لا يتطرق إليه الشك، وعلى هذا الأساس فمن الممكن أن ينجح أي مؤتمر عن اكتشاف مرض أو علاج جديد أو أن يجد طريقه إلى كومة المهملات في المقابلات العلمية التي ثبت فشل مادتها ولكن يستشهد بها عند الحاجة…

القصة التالية من خزانة الذكريات، ولا أفتأ أذكرها في معرض حياتي كدرس أضاف الكثير إلى خبراتي الشخصية والإحترافية مع تراكمهما فيما بعد، وكنت وقتها حديث عهد بمهنة الدعاية الدوائية وأعمل لدى إحدى شركات الأدوية العالمية الكبرى، في العام ثمانية وثمانين إن لم تخني الذاكرة…

كنت قد تعلمت مبادئ تسويق الأدوية لدى شركة مرموقة، وبدأت الثمار تتفتح في تلك الشركة قبل أن يتدخل صديق جمعتنا أيام الكليّة ليشتد في الإلحاح كي أعمل معه في شركة أخرى ذات صيت عالمي كذلك، ومع قبولي الذي جاء تحت ضغط ذلك الزميل للعمل في مكان جديد وبلد غريب وجدتني أقارن لا شعوريا بين شركتين، الأولى التي صنعَتْ مني مهنِيّا محترفا على أيدي كوكبة من أساطين العلم والطب واللغة وأصول التسويق، والثانية التي وجدتني فيها أمام مشرف تدريب يفتقر لأبسط أصول الإحتراف المهني، ومدير - الصديق اللحوح - أراد أن ينقذ موقفه الإداري في أزمة تعيين موظفين باللجوء إلى من يثق به بدون أن يفكر في أية عواقب أخرى…

ومع التفصيل الذي لقيته في شرح تركيبة وطريقة عمل الأدوية التي كان مقررا أن أسوقها لحساب الشركة الجديدة، انهلت على المشرف التدريبي وعلى الزميل المدير بأسئلة عديدة تخص مقومات تلك الأدوية على اعتبار خبرتي التي أدركت من خلالها أن عالم تسويق الدواء لا يخل من الأطباء الذين يطرحون أسئلة ليست في الحسبان، ولم أطمئن أبدا لتأكيداتهما مع بقية الزملاء بأنه (يستحيل أن يسأل طبيب مثل هذه الأسئلة، إنه نوع من المبالغة الخيالية التي تتربع في عقلك ولكن ليس لها وجود على أرض الواقع)…

ولما بدأت مهمتي بشكل فعلي نوط زميلي ومديري لي تغطية مكان كان يعمل به كبير أطباء الأمراض الجلدية في البلاد، وطلب مني مع بقية الزملاء العمل على وقوفه في صف منتجنا، وقالوا كلاما معسولا عن النجاح وعن الأهمية الإستراتيجية الناتجة عن كسب ارتياح هذا الطبيب المهم، ثم زادوني إتحافا بأنه محل ثقة جهات عليا في الملمات الطبية، وأنني يجب أن أعامله بما هو أهل لهذه الأهمية..

ولا أخفي أنني ذهبت إلى ذلك الطبيب المرموق وأنا أحاول أن أستجمع كافة الخبرات الخاصة بالتعامل مع مثل هذه الشخصيات لوضعها في ورقة من السيلوفان المزركش وتقديمها كعربون مرور إلى فكره ووعيه، وأنني مع غمرة حديثي معه عن خبرته العريضة في كتابة دواء شركتنا ومثيلاته من الشركات الأخرى كنوع من التقريظ المحمود (دا كان دكتور قبل ما انت ما تتولد كما قال لي مديري) فقد لاحظت أنه التقط تلك النشرة الملونة التي وضعتها بين يديه والخاصة بتفاصيل الدواء الذي أتحدث عنه وشرع يقرأها بدون أن يعيرني أدنى اهتمام، ثم لم يلبث أن وضعها بعد وهلة على مكتبه بحركة محسوبة وباغتني قائلا (المصطلحات مترجمة عن اللاتينية):

- إيه اللي بيخلي دواكم ينفد بفعالية من خلال الجلد؟

كان السؤال سريعا فلم ألتقط تفاصيله، فقلت مستفهما: أفندم يا دكتور؟

- أفندم إيه؟ مش انتو اللي كاتبين كده في النشرة بتاعتكو؟ أهو - وقلب النشرة ليريني المكتوب بداخلها - ينفد بفعالية من خلال الجلد، إيه اللي بيخلي ف دواكم الصفة دي؟

لم أتوقع قط هذا السؤال الذي كان بالفعل خارج المقرر تماما، وسرعان ما دارت طاحونة الأفكار في رأسي: ما الذي يجعل أدوية الجلدية تنفذ بفعالية خلال الجلد؟ وجاء ردي على الفور: القاعدة التركيبية للمستحضر..

- والقاعدة التركيبية دي عبارة عن إيه؟

كان هذا السؤال بمثابة الخلاص بالنسبة لي، (يستحيل أن يسأل طبيب مثل هذه الأسئلة، إنه نوع من المبالغة الخيالية التي تتربع في عقلك ولكن ليس لها وجود على أرض الواقع)، فاعتدلت في جلستي وأخذت أجيب ببطء بالرد الذي تردد أمامي عدة مرات بخصوص هذا السؤال بالذات ومن عدة مصادر بالشركة: حضرتك يا بروف (إختصار بروفيسور) عارف إن شركات الأدوية الكبيرة ليها أسرار في تصنيع الدوا (وهذه حقيقة) وإن محدش يعرف…

قاطعني الطبيب المشهور بحزم قائلا: يابني سيبك من شغل البوسطجية ده وكلمني كلام علمي، تعرف القاعدة التركيبية دي عبارة عن إيه؟

جاء ردي مذهولا من طريقته الغريبة في الحوار: بصراحة ما اعرفش

قال بحزم: خلاص روح اعرف وتعالى لي بالرد، مع السلامة

شكرت الطبيب المعروف بحذر وخرجت من عيادته، ثم وقفت خارجها أتبسم معجبا من أسلوبه الفريد في التعامل معي، كوني أمثل شركة ذات أهمية في مجال علاج الأمراض الجلدية، ضحكت بحبور بعدها لأنه فعلا كسب الجولة الأولى في لقائي به عن جدارة، هذا الرجل متمرس بالفعل ويعرف أصول طرح الخصم أرضا بضربة قاضية فنية! ولكن الخطأ للحق ليس خطأه هو..

في صباح اليوم التالي حرصت على لقاء مديري في حضور باقي الزملاء حيث كنا نجتمع لبعض الوقت في تآلف يخل تماما من التكلف، دخلت عليه وأنا أحاول أن أخفي ابتسامة عابثة، وبادرته بأدب قائلا: ممكن أسأل سؤال لو سمحت؟

نظر إلى أحمد - وكان هذا اسمه - متوجسا، وهو ينفث دخان سيجارته بقوة، ولم يرد، فقلت له بنفس الأدب: إيه اللي يبخلي دوانا الفلاني ينفد بفعالية من خلال الجلد؟

تحققت مخاوف مديري (باله رايق وجاي يقسّم عليّ)، قال بنفاذ صبر: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم..

قلت له: معلش يا احمد استحملني شوية..

صاح بي قائلا: القاعدة التركيبية اللي فيه طبعا، هي دي عايزة سؤال؟

فتأدبت أكثر وأنا أقول السؤال التالي: والقاعدة التركيبية دي عبارة عن إيه؟

قال بصوت عال: يارب تعدي النهاردة على خير…

قلت بهدوء: أنا عارف الإجابة بس نفسي اسمعها منك..

فصاح مرة أخرى: محدش يعرف طبعا، لا أنا ولا مدير المكتب ولا أي حد في الشركة إلا الجماعة بتوع أبحاث تصنيع الدوا في المصنع الأم..

قلت متعجلا: شكرا يا احمد وآسف لأني ضايقتك، على فكرة أنا امبارح كنت عند الدكتور فلان اللي انت كنت موصيني أقابله وسألني السؤال ده فقلت له نفس الرد بتاعك فقال لي سيبك من شغل البوسطجية ده وكلمني كلام علمي (رفعت صوتي عمدا وأنا أقول بوسطجية)، رأيت تعابير الإندهاش الممزوج بالغضب تتجلى في وجه أحمد، فقلت:سلامو عليكو، وخرجت من المكتب مسرعا أحاول كتم الضحكات الذي توشك أن تنفجر منطلقة من صدري!

جمعنا المقام ظهرا في نفس اليوم مع مديري وبقية الزملاء، وسألني هذه المرة بروية عن تفاصيل المقابلة، فأعدتها له بإسهاب، فاستمع باهتمام ثم طلب مني أن أكتب خطابا رسميا بالإستفسار لإرساله إلى المكتب العلمي للحصول على إجابة (… إنه نوع من المبالغة الخيالية التي تتربع في عقلك ولكن ليس لها وجود على أرض الواقع)، وانتظرت شهرا كاملا بعدها لتلقي الإجابة الرسمية كنت خلاله أمر على الطبيب المخضرم محاولا بناء جسور ثقة على أمل أن أحقق نجاحا ولو متواضعا في النفاذ إلى دائرة معارفه، وجاءتني بعدها صورة من الإجابة للإطلاع والعلم، وكانت مفاجأة أنها عن تركيزات الدواء في الجلد وعلاقتها بالوقت ولا تمت بصلة إلى السؤال الذي طرحه الأستاذ الدكتور، عندها لم أتمالك نفسي من أن أردد بصوت مسموع: فعلا، رد مقنع جدا، كلام علمي جميل!

دمتم بخير إن شاء الله

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
  دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “كـــلام علمـــي”

  1. اتشرف بلقاء كلماتك

    الطيبة الغالية

    خالص التقدير لقلمك الذهبي

    ——

    زلزال

    اصاب غزة



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق