أبـو بُـقْـعـة!
كتبهاأسامة مصطفى ، في 3 مايو 2009 الساعة: 13:06 م
أبـو بُـقْـعـة!
أحب القمصان البيضاء، ولا أدري سر ذلك، ولا أتذكر متى حدث هذا الغرام باللون الأبيض، وجدتني فجأة أشعر بالضعف أمام كل قميص أبيض أجده معروضا في واجهة محل ملابس، سيما إن كان مصنوعا من القطن، وخصوصا القطن الحريري الملمس، وهو نوع من الأقطان تحس عند معانقته لجسدك بأنك ارتدت عالما فارها كان يجب أن تتعرف على ملمسه ونكهته منذ تعلمت فن الإقتصاد في التسوق..
صاحت بي زوجتي ذات يوم وأنا أضع الكيس الذي في يدي جانبا بعد عودتي من تسوق سريع "قميص ابيض تاني! إنت عارف عندك كام قميص أبيض"، لم أعر ذعْرها اهتماما، وشرعت أشرح لها السر في شرائي عدة قمصان من نفس اللون "أولا دي بيضا، يعني ما بتمتصش الحرارة، وانتي عارفة الحر شكله إيه، الواحد ما بيبقاش طايق نفسه، وبعدين شوفي… ده قماشتة مختلفة عن القميص اللي اشتريته آخر مرة، دي قماشة ناعمة، والتاني كانت قماشته تقيلة، ده له مناسبة والتاني له مناسبة تانية، يعني كل قميص مختلف عن التاني ف خامته"، فقالت في اسْتجداء "بس دي كلها نفس اللون" رددت بلهجة تأكيدية "عارف، لأن الأبيض بيليق على أي لون، فمش فارق معاه لون البنطلون"
ولم يكن اعتراض زوجتي على الشراء اساسا، وإنما كان اعتراضها على أن القمصان تبدو كلها نسخة من بعضها البعض، فتفاصيل القماش الناعم أو الثقيل أو الخشن لا تلفت انتباهها، ولهذا اعْتَقَدَتْ بأنني أتعمد شراء نفس القميص عدة مرات لأسباب غامضة، أو ربما ظنت أنني أحاول استفزازها بأسلوب غير تقليدي..
اكتشفْتُ يوما أن أحد تلك القمصان لوثته بقعة استعصت على مساحيق الغسيل التي تتحفنا إعلانات التلفزيون بقدرتها على قهر المستحيل، كان القميص مطويا بعناية بعد كيه وقد ظهرت البقعة العنيدة بجلاء في منتصف صدريته على حلية الأزرار، شعرت بالغيظ من الكوّاء الذي لم يعر البقعة اهتماما وشرع في كي القميص بدون أدنى بادرة للتنويه بأنه يجب إعادة غسله مرة أخرى، وشعرت بالحنق من زوجتي التي أرسلت القميص للكي بدون أن تدقق في نظافته على اعتبار اقتناعها بأن مسحوق الغسيل الذي تستعمله قام بالمعجزة تلقائيا ودمر ما يعكر صفو نظافة القميص ونصاعة لونه، قمت بلفت نظرها سريعا قائلا "مش كنتي تبصّي في القمصان بعد ما غسلتيها عشان تتأكدي من نضافتها؟" ردت بتلقائية "آسفة، ابقى ابعده عن باقي الغسيل عشان أبقى انتبه له"
وتكرر الأمر عدة مرات، عتابي لزوجتي على القميص التي أضحت البقعة أحد معالمه الأصيلة، ووعدها لي في كل مرة بأنها ستحسب حساب هذا القميص تحديدا، وأن البقعة لن تكون موجودة في المرة القادمة..
ثم لاحظْتُ – بجانب كل ذلك – أن هذا القميص دون غيره يضعه الكوّاء على رأس الملابس الآتية من عنده، كأنه يحاول أن يلفت نظري إلى البقعة التي أضحت مع تعدد الغسلات الطبيعية أقل سطوعا من ذي قبل، أو ربما لإعجابه بالقميص رغم أنه ليس بهذا التميّز، أو أن القميص نفسه يحاول فرض سيطرته على بقية ملابس الأسرة بجعل نفسه سببا لإثارتي وتذكيري بأن هناك شيئا ما كان يجب أن يتم فعله منذ فترة، وأنني لم أقم به بعد..
المهم أنني في خضمّ ذلك كله لم أكن أجد ما يضايقني في وجود البقعة في صدارة القميص لسبب غريب، هو أن ربطات العنق تخفيها، لذا كنت أرتدي هذا القميص بدون أي شعور بالإنفعال لثقتي التامّة في أن البقعة التي تشوه وجهه ستختفي تلقائيا تحت ربطة العنق، وسيختفي معها أي حرج ممكن أن تسببه بقعة صغيرة تصر على فرض نفسها على تفكيري..
تحول الأمر تدريجيا إلى قبولي لوجود البقعة على القميص كواقع لا مفرّ منه لدرجة أنني أقول لنفسي عند رؤيته متربعا متحفّزا في خزانة ملابسي "القميص أبو بقعة"، ثم أضحك كوْني أعْتَبر البقعة شيئا طبيعيا في نسيج هذا القميص..
هل كان يمكن لهذه البقعة أن تكون سببا لتنغيص حياتي، الإجابة بلاشك: نعم، كان من الممكن أن تتحول هذه البقعة إلى مصدر دائم لمشاحنات ومداولات بيني وبين زوجتي من ناحية، وإذا استفحل الأمر كان سيصبح الكوّاء طرفا في الصراع كذلك، كانت تلك البقعة ستصبح سببا لتلطيخ حياتي مع أناس كثيرين حولي، حتى مع من لا أعرفهم ممن قد يدققون النظر في البقعة عند ارتدائي لذلك القميص، فأصيح فيهم غاضبا "إيه، بتبحْلق في إيه؟"، وهو ما يعتبر مقدمة مثالية ل"خِنَاقة" قد تطول فيها الألسن والأيدي، وربما تنتهي في مخافر الشرطة إذا استفحل ا لأمر..
المهم هو أنني لم أنس شيئا واحدا مع الوجود المستمر لتلك البقعة المستفزّة على وجه هذا القميص، هو أن هناك عدة قمصان بيضاء أخرى ترقد في خزانة ملابسي، تنتظر دورها كي تبهج أيامي وتدخل السرور إلى نفسي!
دمتم بخير إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قـــصـــة
دوّن الإدراج

























مايو 8th, 2009 at 8 مايو 2009 1:30 م
اخى د. اسامه
طبعا انا اشعر تماما بمعاناه زوجتك بسبب هوايه ارتداء اللون الابيض وتكون المعاناه مضاعفه اذا كانت هوايه هذا اللون واخوته من الفواتح عائليه والبقع العنيده تصر على تكذيب الاعلانات السخيفه التى تبهرنا باضائه اللون الابيض وليس فقط بهائه لكن ليس فى الامكان الاستغناء عن المساحيق حتى ولو كانت كاذبه اتمنى ان اجد الكوكب الذى تصنع فيه هذه المساحيق لارسل اليه الغسيل فيخرج من الغساله فى حاله افضل من التى اشتريناه بها بلا حاجه لكواء او غيره لكنه حلم بعيد والى ان يتحقق ستظل معاناه ربات البيوت لك تحياتى
علا الفولى