أعـوذ بالله من الشــيطان الـرجيم "فـأما الـزبد فـيذهـب جــفاء، وأما ما يـنفع النـاس فـيمكـث في الأرض" - هـذه المـدونة لـمن أراد أن يُـفيد ويـستفيد، ويُـعلِّـم ويـستزيد، فالـمرء بين عـالم ومـتعلم، وفـاهم ومسـتـفهم، وبهذا تـرتقي الأمم، وتـرتفع الهـمم، ونـستنير الطريق بـرأي الأديـب الرفـيق


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هُمَّا انصرفوا ولا لسه؟

كتبهاأسامة مصطفى ، في 19 أكتوبر 2007 الساعة: 16:26 م

 

 

 

 

هُمَّا انصرفوا ولا لسه؟

 

 

 

هذه القصة حدثت حقيقة، وعلى من يقرأها أن يتحمل لطفا تبعة مواصلته للقراءة دون أدنى مسؤولية على حضرتنا..

جمعتني الأيام بزميل عمل منذ سنوات تزيد على العشر، تشابهت ظروفنا وطموحاتنا وقتها، وكان كلانا حديث عهد بالزواج، فتزاورنا عائليا وتآلفت القلوب حول صداقة بريئة يانعة، ومجاملات رقيقة عذبة..

وكان هذا الأخ - وأغلب الظن أنه اليوم في مكان ما في بلد مهجر بعيد - له جار من ذوي الخبرة في التعامل مع الجان، وكان ذلك الجار يعمل مقاولا أو مشرف بناء أو مهندسا.. لا أذكر تحديدا، المهم أن هذا الصاحب - الغض الخبرة بالحياة وقتها - تعرّف بالجار، وتسامرا كما يتسامر الجيران، وعرف من جاره كيف أنه تصادق مع أحد الجان بحيث أنه كان يأتيه بأخبار مفصلة عن تصرفات العمال في الموقع الذي يشرف عليه مهما كان بعيدا عن مكان الإنشاء، فكان إذا عاد إلى موقع العمل بعد غياب أو إجازة أو فترة راحة جمع العمال ليخبرهم بما فعلوه في غيابه ويحذر مقصريهم من عاقبة تكرار تجاوزاتهم، فيجن جنون العمال البسطاء، ويصر بعضهم على أن المهندس (مكشوف عنه الحجاب)، بينما يجزم البعض الآخر أن هناك من ينقل له الأخبار من بينهم… إلخ

المهم أن هذا المهندس أو المقاول عرض على ذلك الصديق أن يُحَضّر الجان ويصاحبهم مثلما يفعل هو معهم، بل وهوّن عليه الأمر تماما وأقنعه بأن الجان يستأنسون للمزاح، وأنهم ليسوا بالصورة التي يتخيلها الناس، بل هم مخلوقات لطيفة، وأن كل ما عليه أن يفعله بعد استحضارهم وقضاء بعض الوقت معهم أن يتأكد من انصرافهم لكيلا يمكثوا في منزله ويفعلوا ما يشاؤن فيه بدون علمه..

ولا أعلم الدوافع التي بسببها قرر رفيقي الساذج وقتها أن يجرب ما سمعه من جاره العزيز، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد سيطرت تلك الفكرة على عقله في وقت كان يستضيف فيه والدته في منزله، وكانت الدنيا شتاء حيث يطول الليل، وقرر أن يطبق موضوع الإستدعاء والصرف هذا بعد مضي بعض الوقت من ليلة ليلاء..

وهكذا اختلى بنفسه في غرفة الجلوس وقام بقراءة بعض من آي الذكر الحكيم بترتيب معين والتي أفهمه جاره أنها مخصصة لإحضارهم، ثم بعد وهلة قصيرة مليئة بالتوجس والخوف قرر قراءة الآيات التي تصرفهم، إلا أن الشك تطرق إلى نفسه في صحة صرفه لهم، وفي غمرة شكه في هذه التجربة الفريدة التي كان يقوم بها بدون علم زوجته أو والدته بالطبع لكي لا تتركا له المنزل إلى غير رجعة، قرر أن يقرأ الآيات التي تصرفهم مرة أخرى، ومع ارتباكه في إخفاء ما يقوم به اختلط عليه الأمر في أرقام الآيات التي ينبغي عليه قراءتها وكيفية ترتيبها، غير أنه كان متأكدا من شئ واحد، وهو أن آيات الصرف في سورة البقرة، ولكن أي الآيات؟ من هنا قرر بعد فترة بلبلة قصيرة أن يقرأ السورة بكاملها..

ولأن صديقي العزيز لم يكن من العالِمين بأحكام التجويد، فقد كانت قراءته للسورة قراءة (المُتَعْتِعْ)، وهي قراءة لها أجر عظيم كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقلة تمرسه بقراءة القرآن طالت عليه التلاوة، وغالبه الكرى مرات مع تقدم الوقت وكون اليوم التالي يوم عمل، وعلى كل حال فقد مضى في القراءة حتى انتهى منها بعد ما يقارب الثلاث ساعات..

كان النعاس تمكن منه أو كاد والفجر قد قرب وقته حينما انتهى من مهمته، فقام من مجلسه بغرفة المعيشة ليضع المصحف بجوار حوض سمك ضخم كان يزين به غرفة استقبال الضيوف، كان الحوض يشع نورا بإضاءته المخصصة له بينما كانت الغرفة نفسها غارقة في الظلام، وعلى ضوء حوض السمك الخافت في سكون الليل البهيم شعر زميلي بأن هناك شئ ما يقبع على الأرض في الظلام بجوار حوض السمك، فالتفت ليتفاجأ بعينين تحملقان فيه من مكمن مظلم بجوار الحوض..

لم يتمالك صاحبي المسكين نفسه من المفاجأة، فقفز إلى الخلف في ردة فعل تلقائية وهو يصرخ بأعلى صوته: يممماااااااااااااا، ثم سقط على الأرض وجسده ينتفض وأطرافه ترتعش من وقع صدمته…

ولم تمض ثوان حتى كانت والدته تقف على رأسه وهي تردد: مالك يابني، مالك يا ضنايا، اللهم اجعله خير، خير يا بني فيه إيه؟ بينما وقفت بجوارها زوجته وهي تحاول أن تخفي ضحكاتها وهي تقول: مالك يا علاء، حصل إيه؟

………………………..

سألته عن سبب تخفّي زوجته بهذه الكيفية في ذلك الركن المظلم بجوار حوض السمك، فرد بأنها افتقدت حضوره، فقامت لتبحث عنه فوجدته يقرأ القرآن، فلم يطاوعها قلبها (المرهف والحنون) أن تقطع قراءته، فتسللت بهدوء إلى جوار ذلك الحوض، ومكثت في ذلك المكمن تستمع إليه وهي تحاول أن تستدفئ ريثما ينتهي من القراءة في جولته الإيمانية المفاجئة التي راقت له في تلك الليلة الطويلة..

واستفسرت عما قال لأمه كي يبرر صرخته المدوية في جوف الليل؟ رد عليّ بعصبية: مش فاكر قلت لها إيه، قلت لها أي حاجة غير الحقيقة طبعا، عاوزني أقول لها إني كنت با مشّي العفاريت من البيت؟

شعرتم بالخوف، أليس كذلك؟ هاهاها

 

دمتم بخير إن شاء الله

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:
  دوّن الإدراج  

14 تعليق على “هُمَّا انصرفوا ولا لسه؟”

  1. إخوة الجن لا يخيفون إلا إذا صادف ذلك نفسا تتطاير شعاعا.. :)
    ولكن الطبيعي أنهم في سقف كل بيت مسلم .. ويعبدون الله معنا .. ويشاركوننا بعض المأكل أو بواقيه .. وهكذا

    يبدو أن صديقك يحضرهم بطريقة ودودة .. فقط يقرأ القرآن .. ما علمته أنها تحضر بواسطة كتب متنوعة .. وتمتمات غريبة .. وبعض الطقوس الغريبة أيضا .. وإذا حضرت لا تنصرف إلا بخبرة وتمكن وهلم جرا من الأفعال التي تسلِّم بقدرتهم والخضوع لهم..

    صديقك أراد أن يصرفهم بطرق متشعوذة .. فأنساه الله ترتيبها .. وانصرفت كما ذكر الرسول الكريم بقراءتها كاملة..

    قصة صديقك ممتعة .. تعودت على هكذا قصص منذ الطفولة!! بل وواجهتها .. يعني لم تعد لها تلك الرهبة :)

  2. اخى د. اسامه

    كل سنه وانت طيب اعتقد ان صديقك هذا لن يفكر مره اخرى فى هذا الأمر الغريب فلكل منا عالمه لما نقتحم عالم الجن ولما نحاول ان نعرف عن الناس امور لا تخصنا لو اهتم كل منا باصلاح حاله لما كان هذا حالنا لك تحياتى

    علا الفولى

  3. السؤال هم جم أمتى؟

    أخي العزيز الدكتور اسامة

    كل عام وحضرتك طيب

    حاولت قراءة ما فاتني من كتاباتك سريعا

    فقط اردت أن اقول لك ما شاء الله

    استمتعت بالكثير مما فاتني ولي عودة جديدة لمتابعة البقية

    اخي الكريم تقبل مني تحيتي وتقديري

  4. السلام عليكمد.أسامة

    لماذا غيرت اسمك هناك..إذا فعلت هناك فافعل هنا..هو على كل حال اسمك أيضاً..

    أخى الكريم

    دائماً يفتش الإنسان عن الغيب عما يحدث دون أن يكون حاضراً..إن لله حكمة فى إخفاء أجزاء من حياتنا عنا حتى حين ويجب أن نمتثل للحكمة..

    بوركت وبورك قلمك

  5. سلام الله عليكم

    الحبيب اسامه مصطفى

    كل عام وانتم بالف خير اعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات

    معذرة على التأخر بسبب انشغالي والسفر الدائم

    محبتي

    الشاعر والكاتب الفلسطيني / منذر بهاني

  6. موضوع الجن والعفاريت ده والسحر خصوصا بقي وباء فعلا

    مش عارفه ليه في هوجه في كل مكان بتتكلم في المواضيع دي

    لا وتلاقي فضائيات الست ام كوبايه اللى بتطلع الجن وتفك السحر علي الهواء؟

    هي كلها هلاوس وضلالات وانا لا اؤمن اصلا بمثل هذه الامور ابدا واراها حمق وتخلف

    والادهي اني اعرف ناس يفوقوني علما وثقافه وخبره ويؤمنون بها بشكل غريب لا ولو انا انكرتها ابقي جاهله وعبيطه؟

    ربنا يهدينا جميعا

    تحياتي لك

  7. على فكرة انا خيالى وااااااااااااسع جدا فى الليل و خاصة عند انقطاع الكهرباء و تعطل الكشاف …. يعنى تقريبا فى الظلام الحالك الأمر لا يتطلب معى سيرة جان حتى ارى بخيالات الظلمة العجب …. شكراااااااااااااااااا

  8. الأخت الأستاذة عائشة

    لا أكتمك قولا بأن هذه القصص بالنسبة لنا لا يرحب الكثير بسماعها لأنها تثير عشرات علامات الإستفهام التي تبقى بلا إجابة لأننا بالفعل لا نعرف الكثير عن عالم الجان، وربما يعود ذلك لتنشأتنا في بيئة حضرية بحتة..

    لم أتمالك نفسي من الضحك لما قص علي زميلي قصته الفريدة، ولكنها ظلت عالقة بذاكرتي لأنه قلما نصادف مثلها في معترك الحياة

    خالص تحياتي وتقديري

  9. الأخت الأستاذة علا

    كل عام وحضرتك بألف خير، طبعا صديقي العزيز الذي آثر الهجرة لم يعد يفكر حتما في استحضار وصرف من لا يراهم، إنه درس قيم بالفعل لكل من يحاول تجربة كل شئ بنفسه

    تحياتي وتقديري

  10. أخي الفاضل الأستاذ حماد

    هم جم إمتى؟ في غفلة من الناس، وفي ساعة الغفلة تحدث الغلطة

    سعيد جدا بإعجابك بما سبق، وآمل ألا أفتقد تعليقاتك

    تحياتي وتقديري

  11. السلام عليكم د.حنان

    أختي الكريمة لم أغير إسمي في أي طرح أو مكان آخر، ولكن هناك من يفضل الأسماء الموسيقية على ما يبدو..

    أما عن اشتياقنا لمعرفة الغيب، فيا أختي الكريمة هذا موضوع مستقل بذاته، له باب خاص، ولهذا الباب لا يفتح إلا لمن أراد الله له أن يرى، إما ترغيبا أو تخويفا، وسبحان من سبقت رحمته غضبه

    تحياتي وتقديري

  12. أخي الكريم الأستاذ منذر

    كل عام وأنت بخير، ولا تحرمنا من جديدك

    تحياتي وتقديري

  13. سندريلا

    الشهادات العلمية ليست مبررا لشطط الفكر مع احترامي لكافة من يحملون شهادات علمية رفيعة المستوى، ولكن هذا العالم له بالفعل من يحترفون التعامل معه، وهؤلاء لا ينشدون أن يعرفهم الناس لأسباب مختلفة

    وطبعا نحن لا ننكر وجود مخلوقات لا نراها، ولكن لا يمكن لهذه المخلوقات أن تكون لها سلطة على بني الإنسان بحفظ الله سبحانه

    تحياتي وتقديري

  14. دولة الهانم

    بعض الناس يستعصي عليهم المكوث في ظلام دامس لمثل الأسباب التي ذكرتها، والبعض الآخر (مش فارقة معاه)

    أما الخيال الخصب، فلولاه لما كنا وصلنا للقمر، ولا للمريخ، ولا لأي مكان أبعد من طرف الحي

    تحياتي وتقديري



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق