التراث العربي… وتخيّلات الآخرين
إشتركت ثقافات العالم في خاصية محاولة نشرها اعتمادا على مبدإ سيادة القوة في حقب زمنية كثيرة، وهذه الخصلة التي طغت على أغلب الثقافات التاريخية لم يستثن منها سوى ثقافات محدودة كانت إحداها ثقافة المجتمع العربي القديم، والذي لا تزال جزئية ما قبل الإسلام فيه مبهمة لمعظم شعوب الأرض، وتحتاج إلى خيال بيئي واسع لإدراك كيف عاش العرب الأوائل في شبه الجزيرة، متحصنين بمناعتها الطبيعية التي حباها الله بها، حيث الصحراء القاحلة والواحات النادرة والمجتمعات القبلية التي تقوم على أساس غالب في إقرار القائم أو القائمين على أمرها اعتمادا على رجاحة العقل مع النفوذ والسطوة…
وعلى الرغم من انتشار جانب من الثقافة العربية ضمنا مع الفتوحات الإسلامية التي طالت الممالك المجاورة لجزيرة العرب بعيْد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يمكن الجزم كلية بأن الثقافة الإسلامية كانت عربية خالصة سيما مع انضمام أبناء البلدان المجاورة لشبه الجزيرة إلى قوافل الجيوش الفاتحة، ثم إلى تحول دولة الخلافة العباسية إبان حكم المأمون فيما تقره مراجع التاريخ إلى تفضيل أبناء فارس ليكونوا عُمُدَ الدولة في شؤون الدواوين وقيادة الجيوش، وهو ما أدى تدريجيا إلى انحسار الصلة بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى لتقتصر مرة أخرى على أبنائها، متدثرة بتلك الوهاد والرمال والجبال التي تعج بها الجزيرة..
وغني عن القول بأن الإسلام أقر طرفا من عادات قدماء العرب في نسيج الدين الذي أصبح جزءا من حياة أكثريتهم فيما بعد، وأنه حينما نسمع قصص وفاء السموءل وشجاعة عنترة وكرم حاتم وإباء الزباء وغيرها من سير هؤلاء الأوائل سنجد أن الإسلام كدين يحمل بين طياته هذه القيم النبيلة، وأن هذه المزايا دفعت أبناء الدول التي دخلتها الجيوش الفاتحة إلى الإنضواء مطمئنين تحت لواء دين الله..
ولا تدرك أكثرية البشر سر ولع أبناء البادية بعشقهم لحياة البرية، والتي مع ما قد يصحبها من شظف العيش تطيب لفئة منهم، حيث الأمور تجري ببساطة، وحيث الحياة الرتيبة التي لا تشغل البال كثيرا، وحيث الإرتباط بالخالق يتجلى في الرضا بكل خير يجئ، والرضا كذلك بكل ما يذهب، فالخيارات أقل من محدودة، والحياة في عرف
المزيد